السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

459

مفاتيح الأصول

بالقياس قلنا ذلك لأن ما يفتقر ثبوته إلى دليل فإن عدم دليل إثباته كاف في القطع على انتفائه ولذلك اتفق الكلّ على نفي وجوب صلاة سادسة في اليوم واللَّيلة وصوم شهر ثان وحج بيت بخراسان لأن ثبوت ذلك يفتقر إلى دليل فلما فقد دليل الإثبات قطع على المنع وإذا ثبت ذلك وكان القياس ما يفتقر ثبوت التعبد بالعمل به في الأحكام إلى دليل شرعي كسائر الأصول الشرعية لأن التعبد بالجميع يتبع المصلحة ولم نجد في الشرع ما يدل على ذلك وجب نفيه وقال في بحث خبر الواحد والتعبد بالعمل بخبر الواحد لم يرد الشرع به وإذا ثبت ذلك لم يجز العمل به لأن العمل لا بد من كونه تابعا للعلم فإما أن يكون هاهنا تابعا للعلم بصدق الخبر أو تابعا للعلم بوجوب العمل مع جواز الكذب وإذا كان العلم بصدق الخبر مرتفعا لم يبق إلا العلم بوجوب العمل فإذا كان ذلك موقوفا على الدّليل الشّرعي ولم نجد في الشرع دليل عليه لزم نفيه انتهى ومنها ما ذكره في الوافية فقال لا يجوز الظن من حيث هو ظن مناطا للأحكام الشرعية ما لم يكن ناشئا عمّا ثبت اعتباره شرعا إذ كثيرا ما يحصل هذا الظن بأسباب أخر مثل هوى النفس أو التعصب أو الحسد أو نحو ذلك كما هو محسوس مشاهد وعلى هذا يحصل الهرج والمرج في الدين لاختلاف الناس في هذه الأسباب فيجب أن يكون الظن الَّذي يجوز العمل به مضبوطا بأن يكون ناشئا من الكتاب أو الحديث الصحيح أو مطلقا لو ثبت حجيته مطلقا بل الحق أن العمل بهذه الأدلة ليس عملا بالظن بل عمل بكلام من يجب اتباعه غاية الأمر الاكتفاء بالظن الخاص في نسبة هذا الكلام إلى من يجب اتباعه انتهى وفيه نظر واضح بل هو في غاية الضعف وللآخرين أيضا وجوه منها ما تمسك به في المعالم لإثبات حجية خبر الواحد فقال الرّابع العلم القطعي بالأحكام الشرعية التي لم تعلم بالظاهر من الدين أو من مذهب أهل البيت عليهم السلام في نحو زماننا منسد قطعا فإذا تحقق انسداد باب العلم في حكم شرعي كان التكليف فيه بالظن قطعا والعقل قاض بأن الظن إذا كان له جهات متعددة تتفاوت بالقوة والضعف فالعدول عن القوي منها إلى الضعيف قبيح ولا ريب أن كثيرا من أخبار الآحاد يحصل بها من الظن ما لا يحصل بشيء من سائر الأدلة فيجب تقديم العمل بها انتهى أما المقدمة الأولى فلوجوه الأول أن أدلة الأحكام الشرعية بأسرها منحصرة باتفاق المحققين من المسلمين في الكتاب والسنة والإجماع والعقل ومن الظاهر أن شيئا من ذلك لا يفيد العلم بالحكم الشرعي أما الكتاب فلأنه وإن كان قطعي السّند ومتيقن الصدور إلا أنه ظني الدلالة لأن دلالته على الحكم الشرعي إنما هي بالألفاظ ودلالة الألفاظ ظنية لاحتمال التجوز والإضمار والتخصيص والاشتراك والنقل والنسخ والتقديم والتأخير والتأكيد والترادف على أنا نمنع أن جميع ما يتعلق بالأحكام الشرعية من الكتاب قطعي السّند وذلك لأنّ ما اختلف فيه القراء السّبعة وغيرهم لا يمكن القطع به لعدم ثبوت تواترها كما عليه جماعة وبالجملة إن معظم الأحكام الشرعية لا يمكن استفادته من الكتاب أصلا وهو واضح لا ريب فيه وأما ما يمكن استفادته منه فمنه ما يستفاد مما اختلف فيه القراء وهذا مما لا يمكن القطع به لعدم العلم بصحّة النسبة بناء على عدم ثبوت القراءات المختلفة ومنه ما اتفق عليه القراء وهذا وإن كان قطعي السند إلا أنه ظني الدّلالة فلا يحصل العلم بالأحكام الشرعية من طريق الكتاب هذا وقد صار طائفة على الظاهر إلى منع كون الكتاب مستندا شرعيّا لما دل على أن الكتاب لا يعلم معناه إلا بتفسير أهل البيت عليهم السلام وهذا المذهب وإن كان فاسدا إلا أنه مما يوجب منع حصول العلم بالحكم الشرعي من طريق الكتاب وأيضا مما يوجب هذا ما دل عليه جملة من الأخبار وقال به جملة من العلماء الأبرار من وقوع السقط في القرآن لاحتمال كل آية يمكن استفادة الحكم الشرعي منها وقوع السقط فيها ومعه لا يصح الاستدلال بها وهو واضح فتأمل وقد أشار في المعالم إلى عدم إفادة الكتاب القطع بالأحكام الشرعية فقال في مقام الاحتجاج على المقدّمة الأولى إذ الموجود من أدلتها لا يفيد غير الظن لفقد السنة المتواترة وانقطاع طريق الاطلاع على الإجماع من غير جهة النقل بخبر الواحد ووضوح كون أصالة البراءة لا تفيد غير الظن وكون الكتاب ظني الدلالة ثم قال لا يقال الحكم المستفاد من ظاهر الكتاب معلوم لا مظنون وذلك بواسطة ضميمة مقدمة خارجية وهي قبح خطاب الحكيم بما له ظاهر وهو يريد خلافه من غير دلالة تصرف عن ذلك الظاهر لأنا نقول أحكام الكتاب كلها من قبيل خطاب المشافهة وقد مر أنه مخصوص بالموجودين في زمن الخطاب وأن ثبوت حكمه في حق من تأخّر إنما هو بالإجماع وقضاء الظاهر باشتراك التكليف بين الكل وحينئذ فمن الجائز أن يكون قد اقترن ببعض تلك الظواهر ما يدلهم على إرادة خلافها وقد وقع ذلك في مواضع علمناها بالإجماع ونحوه فيحتمل الاعتماد في تعريفنا بسائرها على الأمارات المفيدة للظن القوي وخبر الواحد من جملتها ومع قيام هذا الاحتمال ينتفي القطع بالحكم انتهى وأورد عليه سلطان العلماء في حاشيته فقال قوله من قبيل خطاب المشافهة إلى آخره هذا في مثل قوله تعالى وللَّه على الناس حج البيت الآية محل تأمل وقوله قد اقترن ببعض إلى آخره يمكن أن يقال أن دلالته حينئذ على خلاف الظاهر معلوم فيكون الحكم المستفاد من القرآن حينئذ أيضا معلوما والحاصل أنه إن لم يقترن بتلك الظاهر ما يدلهم على إرادة خلاف الظاهر كان الظاهر معلوما وإن اقترن بما يدلَّهم على خلاف الظاهر معلوما إلا أن يقال مراده أنهم كانوا